ابن الجوزي
47
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
محمد بن طلحة بن عبيد الله وقربه في المنزلة ، فلم يزل كذلك عنده [ 1 ] حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان زائرا له ، فخرج معادلا له لا يترك توشيحه وتعظيمه ، فلما حضر باب عبد الملك حضر معه [ 2 ] ، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشيء بعد التسليم أولى من أن قال : قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز ، لم أدع والله له فيها [ 3 ] نظيرا في كمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق وفضل الأبوة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله وقد أحضرته بابك أسهل عليه أذنك ، وتلقاه ببشرك ، وتفعل به ما تفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه . فقال عبد الملك : ذكرتنا حقا واجبا ورحما قريبة ، يا غلام ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة . فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له : يا ابن طلحة ، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق ، فلا تدعن حاجة في خاص من أمرك ولا عام إلا ذكرتها ، قال : يا أمير المؤمنين ، إن أولى الأمور أن يفتتح به الحوائج وترجى به الزلف ما كان للَّه عز وجل رضى ، ولحق نبيه محمد صلى الله عليه وسلَّم أداء ، ولك ولجماعة المسلمين نصيحة ، وإن عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها ، ولا يكون البوح بها إلا وأنت خال ، فأخلني حتى ترد عليك نصيحتي ، قال : دون أبا محمد ؟ قال : دون أبا محمد ، قال : قم يا حجاج ، فلما جاز حد الستر قال : قل يا أبا طلحة نصيحتك ، قال : يا أمير المؤمنين ، إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه [ 4 ] وتعجرفه وبعده من الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وبهما من بهما ، وفيهما من فيهما من المهاجرين والأنصار والموالي والأخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ، ويطؤهم بالعسف ، ويحكم بينهم بغير السنة ، ويطؤهم بطغام من أهل الشام ، وزعازع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل ، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله راهق ، وفيما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا جاثاك لخصومته إياك في أمته ، أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة تضمن لك النجاة ، فأربع على نفسك أودع . فقال : كذبت ومنت وظن بك الحجاج ما لم نجده عندك ،
--> [ 1 ] في ت : « فلم تزل تلك حاله عنده » . [ 2 ] في الأصل : « حضرته معه » . وما أوردناه من ت . [ 3 ] في ت الأصل : « لم أدع له والله فيها » . وما أوردناه من ت . [ 4 ] في الأصل : « في تغترسه » . وما أوردناه من ت .